الفيض الكاشاني
361
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
فيكم خير فقد أسمعتكم ، وإن تطلبوا ما عند اللَّه تجدوه يسيرا ، وباللَّه استعين على نفسي وعليكم . وقال عيسى عليه السّلام : « يا معشر الحواريّين ارضوا بدنيّ الدّنيا مع سلامة الدّين كما رضي أهل الدّنيا بدنيّ الدّين مع سلامة الدّنيا . وفي معناه قيل : أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدّون فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنيا هم عن الدّين وقال عيسى عليه السّلام : « يا طالب الدّنيا لتبرّ [ بها ] تركك للدنيا أبرّ » . وقال نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لتأتينّكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النّار الحطب » ( 1 ) . وأوحي اللَّه تعالى إلى موسى عليه السّلام : « يا موسى لا تركننّ إلى حبّ الدّنيا فلن تأتيني بكبيرة هي أشدّ عليك منها » . ومرّ موسى برجل وهو يبكي ورجع وهو يبكي فقال موسى : يا ربّ عبدك يبكي من مخافتك فقال : « يا ابن عمران لو سال دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه حتّى تسقطا لم أغفر له وهو يحبّ الدنيا » . وقال عليّ عليه السّلام : « من جمع ستّ خصال لم يدع للجنّة مطلبا ولا عن النار مهربا أوّلها من عرف اللَّه فأطاعه ، وعرف الشيطان فعصاه ، وعرف الحقّ فأتبعه ، وعرف الباطل فاتّقاه ، وعرف الدّنيا فرفضها ، وعرف الآخرة فطلبها » . وقال رجل لعليّ عليه السّلام : يا أمير المؤمنين صف لنا الدّنيا ، فقال : « وما أصف لك من دار من صحّ فيها ما آمن ، ومن سقم فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها فتن ، في حلالها الحساب ، وفي حرامها العذاب » . وقيل له عليه السّلام ذلك مرّة فقال : « أطوّل أو أقصّر ؟ فقال : قصّر ، فقال : حلالها حساب وحرامها عذاب » ( 2 ) .
--> ( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا . ( 2 ) وراجع النهج الخطب تحت رقم 82 .